أراء في المناقشة الصفية

تشترك جهات عدّة في المجتمع في تنشئة الفرد ليكون مواطنًا صالحًا، إلا أن المدارس تبقى المكان الأساسي الذي يحقق ذلك. والعوامل التي تشكل المواطنة في المدارس كثيرة ومتنوعة، وتشمل: الكتب المقررة، والأنشطة المدرسية، وتعليمات الانضباط المدرسي، والنوادي، والأناشيد، ومجالس الآباء والمعلمين، والأنشطة غير المدرسية.

ويمكن أن يكون للمناقشة الصفية دور مهم في تكوين المواطنين وبأكثر من طريقة. ومع ذلك تستمر المحاضرة باعتبارها الأسلوب التقليدي المتبع في الغرف الصفية، بينما يفتقر أدب المناقشة إلى وضوح الهدف.

وعند مراقبة المناقشة الصفية عن بعد، نجد ثلاثة مظاهر لها: التسهيل، والمشاركة، والهدف. ويعدّ التسهيل أو قيادة المناقشات من أصعب الأمور في التعليم الصفي، أما المشاركة في المناقشات، والتي تكون عادة بالتحدث والاستماع، فيمكن أن تكون شاملة أو هامشية، ممتعة أو مؤلمة، أو كل ذلك معًا بناء على مجموعة من العوامل، مثل: مستوى معرفة المشاركين، ومهارة من يدير المناقشة. ويمثل هدف المناقشة محور التسهيل والمناقشة، فهو يوجههما ويشكلهما، ويحدد محتوى المناقشة والعلاقات المراد تطويرها بين المشاركين. وقد تراكم حول هذه المظاهر الثلاثة أدب متنوع وكثير وهو يغطي عددًا كبيرًا من المجالات؛ ففي حين يركز بعضه على الأساليب، فإن بعضه الآخر يركز على الخطاب. ومع ذلك، وسواء كانت المناقشة طريقة للتدريس أو هدفًا من أهداف المنهاج، أي التعليم بالمناقشة، أو التعليم بهدف المناقشة، فإنها تبقى - حسب كل المعايير- نادرة التطبيق في المدارس. والعرف السائد في ذلك هو مبادرة المعلم ثم استجابة الطالب، فعندما نراقب المعلمين الذين يدّعون أنهم يجرون مناقشات صفية،  نرى أنهم يقودون أشكالاً من التسميع.

وتبعًا لدراسة أميركية أجريت في عام 2001م، تبين أن 90% من حصص الدراسات الاجتماعية في 48 مدرسة ثانوية تخلو تمامًا من المناقشة في الأمور المتوقع حدوثها بشكل منتظم في هذه الحصص. وكانت المناقشة في 10% منها، لا تستمر لأكثر من 30 ثانية. وتدّل معظم المؤشرات على وجود ثقافة مناقشة ضعيفة في مدارس الولايات المتحدة.

وبالرغم من هذا المناخ، أو ربما تحديًا  له، يستمر البحث في مسألة المناقشة الصفية وممارستها بشكل حثيث. لكن يبقى الهدف مشوشًا، إذ يخلط بين المناقشة التوضيحية، التي تهدف إلى زيادة الفهم، وبين مناقشة صنع القرار التي تهدف إلى الفعل، أو تتجاهل الأبعاد التوضيحية للنوع الثاني والأبعاد المدنية للنوع الأول. وتبقى المدارس أكثر الأماكن العامة تنوعًا، وفيها يكتشف الطلاب أنفسهم؛ وهي حتمًا أكثر تنوعًا من المنزل أو دور العبادة أو النوادي. وهي تمثّل التعرض الأول الحقيقي للحياة العامة عند الأطفال.

لذا فإن المناقشة الصفية الفاعلة، في المدارس، تعلّم الأطفال ثقافة الاستماع والتحدث العلني إلى الآخرين الذين يماثلونهم في الأفكار أو يختلفون بها عنهم. وهكذا فإن على الطلاب أن ينشغلوا بالمناقشات الهادفة، ليس لتفسير النصوص وحل المشكلات معًا، (أي المناقشة باعتبارها طريقة في التدريس فحسب)، وإنما أيضًا لكي يتعلموا المشاركة في هذه المناقشات بكل اقتدار، (أي المناقشة باعتبارها إحدى مخرجات المنهاج).

وفيما يلي عرض لنوعين من المناقشة الصفية، ومدى ارتباطهما بتكوين المواطن:

       الحلقات الدراسية وحلقات التداول

يمكن أن يُطبق على نوعي المناقشة الصفية اسم "الحلقة الدراسية seminer" و"جلسة التداول deliberation" على الترتيب. ويدعم هذان النوعان المناقشات الهادفة تمييزًا لهما عن "جلسات التبجح والهراء"، التي ليس لها هدف تدريسي معين، مع أنها مفرحة ومبهجة. وعندما تجتمع "الحلقات الدراسية" مع "جلسات التداول"، فإنهما تشغلان الطلاب وتنيران دربهم، فتكونان بذلك امتدادًا مهمًّا لحدود المنهاج.

ويمكن لنوادي: الآداب، والعلوم، والدراسات الاجتماعية، والبيئة، والصحة، في المدرسة أن تكون أمكنة نموذجية لممارسة الحلقات الدراسية وجلسات التداول. ويحتاج المعلمون هنا إلى المعرفة والممارسة للتخطيط لأي نوع من هذين النوعين وتنفيذه، لأن المعلم في إدارته للمناقشة يواجه مدًى واسعًا من المشكلات التي لا تتوقف، مثل: توضيح الهدف، واختيار موضوع جدير بالمناقشة،  والتعامل مع "الحديث المزعج" و"الصمت المقلق".

تشجع الحلقات الدراسية الطلاب على التعمق في فهم العالم المحيط بهم. ويتطلب تنفيذ الحلقة الدراسية وجود نصًّ غنيًّ يتحدى الطلاب، وسؤال مركزي، وتفسيرات متعددة يطرحها المناقشون، وإرساء علاقات جيدة بينهم. ويمكن أن يكون النص منتجًا ثقافيًا شبه دائم، مثل: مخطوط، أو كتاب، أو رسالة، أو حدث (منتج ثقافي عابر كندوة أو مؤتمر أو معرض). ويعمل السؤال عند بدء الحلقة، على توجيه المشاركين. وفي هذه المناقشة يتحدث القائد والمشاركون ويستمعون  لكي يتعلموا، ويفعلون ذلك بوجود الآخرين  لكي يضعوا أفكار المشاركين الآخرين إلى جانب أفكارهم حول موضوع المناقشة، فيتحدى الطالب رأيه الذاتي في الأشياء من خلال النظر في آراء الآخرين. إن تزايد فهمنا للنص وفهمنا لبعضنا بعضًا هما من ثمرات الحلقات الدراسية، ويجعلان هذه الحلقات أمورًا تستحق العناء.

أما جلسات التداول، فهي كالحلقات الدراسية، مناسبات اجتماعية تزود المشاركين بفرص للتفكير والتحدث والاستماع والتعلم الجماعي، بالرغم من كل اختلافاتهم، حول موضوع محدد سلفًا. لكن جلسات التداول لا تهدف إلى التعلم، مع أن التعلم يحدث كأثر جانبي مقصود، إلاّ أن المشاركين يتحدثون ويستمعون لكي يقرروا بعض الأمور. فالهدف هو اتخاذ قرار حول أي الإجراءات أكثر نجاحًا في التعامل مع مشكلة مشتركة، والتي قد تكون مسألة صفية أو مدرسية، ومن ذلك خلاف حصل في أثناء الاستراحة، أو سياسة التعامل مع الغياب، أو الزي المدرسي، أو نشاط لامنهجي. وقد تكون مسألة وطنية أو عالمية، مثل: مشكلات الفقر أو البطالة أو التلوث. أو مادة دراسية: أسباب سقوط الإمبراطورية العثمانية، أو كيفية انتشار فيروس الإيدز، أو أي مشكلة تتطلب قرارًا مشتركًا وتتضمن رأيًا يطبَّق على أساسه القرار البديل.

تتمثّل النقاط المركزية في المناقشات التشاورية بالعثور على البدائل، ودراستها، واتخاذ القرار حول أفضلها. ويجب أن تحدث هذه الأمور بوجود أشخاص آخرين لأربعة أسباب: السبب الأول هو كون المشكلة مشتركة، وبالتالي يجب أن يكون صنع القرار مشتركًا (وهذا أمر ينسجم مع روح الشورى). والسبب الثاني هو عمومية مسألة الاستقصاء، والتي تكون في حال قوتها، محملة بجدال مفتوح حول من الذي حققه بالصورة الصحيحة (الروح العلمية). والسبب الثالث أنّ مدى البدائل التي تتوصل إليها المجموعة أوسع مما يمكن أن يحصل عليه فرد يعمل وحيدًا (الروح التعاونية). والسبب الرابع أنه سيكون بين تلك  البدائل  ما هو ناتج عن منظور اجتماعي، وهي بدائل تنتج بدورها عن المواقع الاجتماعية والتي تختلف بعضها عن بعض بصورة أو بأخرى، مما يسمح بتطوير المعرفة الاجتماعية  لدى المشارك ويساهم في بلورة حل أفضل للمشكلة (روح الجماعة). صحيح أن المشاركين يتحدثون ويستمعون لكي يتخذوا القرار المناسب، ولكنهم يتعلمون في أثناء ذلك؛ لأنهم يتفحصون عددًا من البدائل ويتعرضون إلى وجهات النظر الاجتماعية للمشاركين الآخرين. وبالتالي ستكون النتائج المحتملة قرارات ومعرفة، مما يجعل هذه الجلسات أمرًا يستحق العناء.

تمثّل الحلقات الدراسية وجلسات التداول محاور أساسية في التعليم المدرسي المعاصر. وفي الوقت الذي لا تحاول فيه الحلقات الدراسية التوصل إلى تقدم مادي، فإنها تسعى إلى تحقيق الاستبصار والتنوير، تمامًا كما تفعل قراءة الرواية، فجلسات التداول تشبه مهامّ القضاء، إذ إنها تحاول أن تسمح بحدوث الأشياء، عندما يكون حدوثها أمرًا ضروريًا وعندما يكون هناك نزاع حول أفضل الحلول. إنها تهتم بالأفعال في العالم الواقعي تحت ظروف طارئة غالبًا، وعندما يحتاج الناس إلى صنع القرار المناسب. ويكمّل هذان النوعان من المناقشة بعضهما بعضًا في الحياة المدرسية، ولا يكفي أي منهما بمفرده لفهم هذه الحياة. وهما يعبران عن أهداف رئيسة في التربية من: إثراء العقول، وتعميق المعرفة، والاعتماد على الدليل، وتوسيع الأفق، وتوفير مرجعية مستنيرة لاتخاذ القرار المناسب.

 

ويوضح الجدول التالي أبرز الفروق بين نوعي المناقشة الصفية هذين:  

البعد

الحلقة الدراسية

جلسة التداول

الهدف

الوصول إلى فهم موسع لنص قوي.

التوصل إلى قرار عما يجب أن نفعله "نحن" إزاء مشكلة مشتركة.

 

المحتوى

الأفكار والقضايا والقيم المطروحة  في النص.

البدائل المتعلقة بمشكلة مشتركة.

السؤال الافتتاحي (السؤال الموّجه)

ما معنى هذا؟ ما الذي يحدث هنا؟

ماذا يجب أن نفعل؟ ما البديل الأفضل؟

        ويشار إلى أن التربويين يختلفون في آرائهم تجاه دور المعلم في المناقشة، إذ يرى البعض أن التدخل المناسب للمعلم في الوقت المناسب يشجع جميع الطلاب على المشاركة خاصة الصامتين منهم والخجولين، كما يعيد محور المناقشة إلى السؤال الافتتاحي، بدل ترك الأمور تأخذ مسارات مختلفة. بالمقابل يرى البعض الآخر أن على المعلم ألا يوجّه مناقشات الطلاب، بل أن يسير مع المناقشة إلى حيث تقود الجميع. وبحسب رأي هؤلاء أن الهدف ليس تعليم الطلاب أو إقناعهم، بل التفكير معهم.

كما تختلف أراء التربويين إن كان على المعلمين الذي يشغلون طلابهم بمناقشة قضايا خلافية، أن يبينوا لهم مواقفهم الشخصية من هذه القضايا، أم من الأفضل أن يحتفظوا بآرائهم لأنفسهم؟

فمن يؤيدون "عدم كشف المعلم عن رأيه" يرون أن مهمة المعلمين مساعدة الطلاب في التوصل إلى استنتاجاتهم بأنفسهم، دون أن يستعملوا غرفة الصف "صندوقًا يخزنون فيه آرائهم الشخصية". في حين يرى مؤيدو "الكشف عن رأي المعلم" أن أفضل طريقة لمساعدة الطلاب على التفكير في المسائل  الخلافية  العامة هي النمذجة أو القدوة. أي أن يُبين المعلم لطلابه كيفية التفكير في القضايا الجدلية بالإيضاح لهم كيفية توصله إلى موقفه من هذه القضية، لصياغة مواقفهم بحيث يطوروا فهمهم لكل من: قضية النقاش، والآراء البديلة على حد سواء. لقد انتشرت جلسة التداول - وفقًا لهذه الطريقة، في مدى واسع من الأساليب التعليمية كمقدمات للقراءة ثم للكتابة.

 


       المناقشة وجوانب قصورها

يشير الواقع التربوي إلى وجود شك لدى بعض التربويين في جدوى المناقشة الصفية، بل وفي مبدأ هذه المناقشة من أساسه، إذ يبدي قسم منهم شكًّا تجاه أي طريقة تدريسية تقتطع وقتًا من عملية تغطية المنهاج وقيام المعلم بالشرح. وهم يرون أن المناقشة تفتقر إلى المحتوى والخبرة معًا؛ كأنما هي أعمى يقود عميانًا. وهي تهدف - كما يقول أحد المستهزئين- إلى جعل الطلاب "أشباه معلمين" يصوغون الآراء ويناقشونها دون أن يعتمدوا في ذلك على أي معلومات يتعلمونها من المدرسة.

بالمقابل، يرى آخرون أن المناقشة شكل آخر من أشكال الهيمنة، وساحة أخرى تستمر فيها الأشكال الراسخة من عدم التكافؤ بين الناس.

وهكذا، فإن أصحاب الرأي الأول - وفي حالة تنفيذ المناقشة - يحثون المعلمين الذين يقودون المناقشة بألا يسمحوا لإجراءات المناقشة أن تحلّ محلّ الاهتمام بالمادة الدراسية. أما أصحاب الرأي الآخر، فيؤكدون على ألا يتم تهميش رأي معظم الطلاب في المناقشات، والسماح للبعض من ذوي الصوت المرتفع والمهارة في المناقشة فرض آرائهم على زملائهم. وفي ضوء ما سبق، يطالب هؤلاء التربويين بالتخلّي نهائيًّا عن فكرة المناقشة الصفية.  

بالمقابل، يرى البعض الآخر من التربويين أن كلاً من حلقات الدراسة، وجلسات التداول، تَقوم على نظرية المساواة بين الناس؛ لأنهما تفترضان مسبقًا تساوي المتنافسين في قدرتهم ورغبتهم في التفكير الجماعي حول قضايا معقدة عبر الفروق القائمة بينهم. وهذا أمر مثالي، لأن الافتراضات المسبقة بالمساواة تواجه سيلاً من عدم التكافؤ في الطبقة الاجتماعية، والجنس، والدين، والعرق.

       ممارسات مقترحة

في ضوء التحفظات السابقة يمكن اقتراح الممارسات الثلاث التالية لتحقيق مناقشة صفية فاعلة، وهي: التواضع، والحذر، والتبادل.

إنّ تواضع المستمع عند الاستماع إلى آراء الآخرين، يقلّل من غروره، ويذكره دائمًا أن معلوماته ناقصة، أي أن فهمه للرأي ليس تامًّا، وأن المعلومات التي يُكوّن من خلالها رأيًا والتي يحاول نقلها إلى المتحدث قد تكون غير صحيحة أو غير أكيدة. وسيطوّر قناعةً بوجود أشياء كثيرة عليه أن يتعلّمها. وبالتالي فلو فهم المستمع تفاصيل ما يقوله المتحدث، ومواقف المتحدث، وانفعالاته، لأصبح فهمه لوجهة نظره أكثر عقلانيّة.

        ويتحكم الحذر في موقف المستمع وردود أفعاله، فإذا كان المستمع حذرًا فإنه لن يعرض كل فكرة تخطر في باله، كما سيتخلّص من الاعتقاد بأن عليه عرض جميع أفكاره؛ وسيشارك بكل  حذر، ولا يبدو عليه كأنه يُنكر وجهة نظر المتحدث أو يرفضها، وينتقد أسلوبه في الحديث.

أما موقف التبادل فينعش الذات عند المستمع. وهو يركز- مثل التواضع والحذر- على ميزتين توفرهما المدارس:  التعددية والمشكلات. يتضمن التبادل – بصورة أساسية- الجهود المبذولة لتبني وجهة نظر الآخرين. فإذا انشغلت بهذه الممارسة، فإنك ستقدر النقطة القوية لدى المتحدث وستستمع إليها وأنت تعلم أن المتحدث يفهم - موقفه الاجتماعي، وعواطفه، ومشاعره، وتأويلاته - أكثر منك، ويمكن أن يكون هذا سلوكًا قويًا لأنه سيحميك من التعلق بفهمك الخاص لخبرات الآخرين.

إن هدف هذه الممارسات ليس – حتمًا - تجنب تحدي المتحدث أو الاختلاف معه بقوة، لأن ذلك يجعل من المتحدث طفلاً ويَحُول – بالتالي - دون استمرار المناقشة. فالجدال هنا ليس ضد احتمالية الجدال، بل لمصلحة المناقشة الصفية الحقيقية حول النصوص والقضايا المختلفة. فالهدف من هذه الممارسات الثلاث معًا هو تحسين احتمالية حدوث الاستماع، وليس فقط إما التحدث أو الصمت، فتكون النتيجة حصول أي تعبير على إصغاء جيد، ونمو المعرفة الاجتماعية، واحتمال أن تتقدم المناقشة مع آخرين مختلفين تقدمًا ملموسًا.

 

Educational Researcher, Vol. 35.No.8, 2006.

3514
تعليقات
إضافة التعليقات