اضطّراب فرط النشاط وتشتّت الانتباه، والتحكّم التنفيذيّ

     استراتيجيّات تدخّل أولياء الأمور، والمعلّمين

بقلم (آدم كوكس) Adam Cox

   لقد قطع علماء النفس ومعهم المدارس والعائلات شوطاً طويلاً في فهمهم الجماعي لاضطّراب فرط النشاط وتشتّت الانتباه خلال العقد الماضي. والآن، يعتقد أكثرنا أنّ اضطّراب فرط النشاط وتشتّت الانتباه هو مجرّد مشكلة متعلّقة بالتشتّت، أو الطاقة المفرطة. لا شكّ في أنّ هذا الاعتقاد هو تبسيط فادح لمتلازمة نفسيّة عصبيّة معقّدة.

    لقد كشف بحث موسّع عن وجود تأثير استثنائيّ لاضطّراب فرط النشاط وتشتّت الانتباه في حياة الأطفال. ربّما تكون المساهمة الأهمّ لهذا البحث العلميّ، ومن وجهة نظر تشخيصيّة، أنّ فرط النشاط وعدم الانتباه يدلاّن على عجز في التحكّم التنفيذيّ، أو ما اصطُلح على تسميته أحيانًا (الخلل الوظيفيّ التنفيذيّ).

   تهدف هذه المقالة الموجزة إلى تلخيص العلاقة بين اضطّراب فرط النشاط وتشتّت الانتباه، والتحكّم التنفيذيّ، وإلى تسليط الضوء على الطرق التّي يمكن بوساطتها أن يساعد أولياء الأمور والمعلّمون الطلاّب الذين تتأثر إمكاناتهم التعلّميّة، وعلى نحو مضادّ بالخلل الوظيفيّ التنفيذيّ.

ماذا يقصد بالوظائف التنفيذيّة؟

 يصف علماء النفس والأعصاب الوظائف التنفيذيّة بأنّها حزمة فريدة من الوظائف العقليّة، تؤدّيها الأجزاء الأماميّة (الفصّ الجبهيّ) للقشرة الدماغيّة، بالاشتراك مع المناطق الواقعة تحت قشرة الدماغ (الجهاز اللمبيّ). ولم تعطَ الوظائف التنفيذيّة قدْرًا كبيرًا من الاهتمام، إلاّ منذ العقد الماضي، وذلك نظرًا لتأثيرها في الأداء المعرفيّ والانفعاليّ، وعلى الأخصّ، الاستهلال والتثبيط المعرفيّ، والتنظيم الذاتيّ، والنِتاج الحركيّ. وعلى العموم، فإنّ الوظائف التنفيذيّة هي مجموعة من القدرات المترابطة-على الرغم من أنّها متباينة- التّي تسهم في الأفعال المقصودة الهادفة، وتتضمّن التخطيط والتنظيم. وتحدث هذه الوظائف تناغمًا بين نواحي فكريّة وعمليّة عديدة.

* التعريفات الإجرائيّة: لاحظ من فضلك، أنّ الوظائف التنفيذيّة وصفت من قِبل العديد من الباحثين باستعمال مصطلحات مختلفة. وعلى الرغم من أنّ المفردات المختلفة تؤدّي بين الحين والآخر إلى الإرباك، إلاّ أنّ الملاحظات الواقعيّة للباحثين كانت متشابهة عمومًا.

ولفهم أهميّة التحكّم التنفيذيّ بطريقة أفضل؛ تدبَّر القائمة التالية من الوظائف التنفيذيّة  Barkley, 1988. Mc CLOSKY :

  • · إحداث تناغُم بين مصادر الذاكرة العاملة أو قصيرة المدى.
  • · تنظيم تخزين المعلومات في الذاكرة طويلة المدى.
  • · تسهيل استرجاع المعلومات من الذاكرة طويلة المدى.
  • · إدارة وتنظيم سرعة معالجة المعلومات.
  • · تثبيط الاستجابات السلوكيّة غير المرغوبة.
  • · توجيه الانتباه والإبقاء عليه عند حجب التداخلات.
  • · قطع المشتّتات للعودة إلى الأولويّة النفسيّة للانتباه.
  • · تنظيم السلوك الاجتماعيّ، بما في ذلك التعاطف والحساسيّة الاجتماعيّة.
  • · تسهيل الوعيّ الذاتيّ.
  • · تطبيق الإدراك المتأخّر، والإدراك المسبق في معالجة المعلومات.
  • · تعديل الأداء استنادًا إلى التغذية الراجعة.

  يتّضح من القائمة السابقة أنّ الوظائف التنفيذيّة لها تأثير هائل في قدرتنا على تعلّم معلومات جديدة، والقيام بما عرفناه للتوّ، والتكيّف مع بيئات وتحدّيات جديدة.

   يبدأ تطوير التحكّم الانتباهيّ، وحلّ المشكلات القصدي ذو التوجّه المستقبليّ والتنظيم الذاتيّ للانفعال في سنّ الطفولة المبكّرة، ويستمرّ إلى فترة ما قبل و أثناء المدرسة. وعلى أيّ حال، فإنّ الحاجة إلى الوظائف التنفيذيّة تكون محدودة قبل سنوات المراحل الابتدائيّة العليا، وعلى الأخصّ، المرحلة المتوسّطة ((Holmes 1987. وما أنّ يتكيّف الأطفال مع مهارات أكاديميّة محّددة (مثل، القراءة والكتابة، والحساب) لتطبيقها في تعلّمهم مجالات المحتوى (مثل، التحليل الأدبيّ، وكتابة التقارير، وأداء المهامّ الحسابيّة) حتّى تزداد الحاجة للتحكّم التنفيذيّ بصورة مثيرة. وعندما يدخل الأطفال المدرسة المتوسّطة، فإنّه يتعيّن عليهم المثابرة دون دعم تنظيميّ كبير كما كانت الحال في المدرسة الابتدائيّة.

لقد تمّ تقديم النموذج التالي (Gioia 2001 وآخرون) بصفته دليلاً على فهم تأثير عيوب الوظائف التنفيذيّة على الأطفال والمراهقين في المدرسة.

* مجالات الوظيفة التنفيذيّة وتعريفاتها، والخلل السلوكيّ المرتبط بها:

1-  المهارة: البدء.

التعريف: البدء بمهمّة أو نشاط.

الخلل الوظيفيّ: يعاني من مشكلات في البدء بواجب بيتيّ، أو عمل روتينيّ.

2- المهارة: التوقّف

 التعريف: عدم التصرّف بدافعيّة، أو إيقاف نشاط أحدهم بصورة ملائمة، وفي الوقت المناسب.

 الخلل الوظيفيّ: يعاني من مشكلات في كفّ سلوكه؛ ويتصرّف دون تفكير.

3-المهارة: التحوّل

 التعريف: الانتقال السلس من وضع، أو نشاط، أو مشكلة إلى غيرها.

الخلل الوظيفيّ: الالتصاق بموضوع، أو غاية مع قدْر من المثابرة.

4- المهارة: التخطيط.

التعريف: توقّع أحداث مستقبليّة، ووضع أهداف، وابتداع خطوات مناسبة مسبقًا لتنفيذ مهمّة أو إجراء.

الخلل الوظيفيّ: البدء بالواجبات في الدقيقة الأخيرة، وعدم التفكير المسبق فيما يحدث من مشكلات.

5- المهارة: التنظيم.

 التعريف: إحداث، أو الإبقاء على ترتيب نشاط أو مكان؛ بمعنى تنفيذ المهمّة بطريقة نظاميّة.

 الخلل الوظيفيّ: اتّباع منهج مشتّت، وغير منظّم في حلّ المشكلات، والارتباك بسهولة عند أداء المهمّات، أو الواجبات الضخمة.

6- المهارة: مراقبة الذات.

التعريف: التحقّق من الأعمال التّي قام بها شخص ما في أثناء إنجاز المهمّة، أو مباشرةً بعد إنهاء المهمّة أو النشاط؛ للتأكّد من بلوغ الهدف على النحو المطلوب.

الخلل الوظيفيّ: عدم التحقّق من الأخطاء، ممّا يدلّ عل عدم الوعي بالسلوك الذاتيّ، وبأثره على الآخرين.

7- المهارة: التحكّم بالانفعالات.

التعريف: تعديل الاستجابة الانفعاليّة وضبطها بما يتناسب مع الوضع أو مصدر الانفعال.

الخلل الوظيفيّ: سرعة الغضب والثوران، ممّا يؤدي إلى أحداث صغيرة واستجابات انفعاليّة كبيرة.

8- المهارة: الذاكرة العاملة.

التعريف: الاحتفاظ بالمعلومات بهدف إكمال مهمّة محدّدة، وذات علاقة.

الخلل الوظيفيّ: يعاني من مشكلات في تذكّر الأشياء ولو مدّة قصيرة، وعندما يُرسل لإحضار شيءٍ ما فإنّه ينسى ما طلب منه.

*اضطّراب فرط النشاط وتشتّت الانتباه. واضطّرابات التعلّم:

 إنّ النظر إلى الأطفال الذين يعانون من اضطّراب تشتّت الانتباه المفرط بأنّ لديهم عيوب تحكّم تنفيذيّة، هو بمثابة الربط الحاسم والهامّ الذي يُحدِثه أولياء الأمور والمعلّمون بين التحكّم التنفيذيّ، واضطّراب تشتّت الانتباه المفرط.

   تعدّ الذاكرة العاملة ضروريّة لجلب التركيز. حيث يواجه الأشخاص المصابون بهذا النوع من الاضطّراب مشكلة في الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة العاملة؛ وذلك نظرًا لعدم الاهتمام أو عدم القدرة على التصدّي للتداخلات البيئيّة. فعندما تضعُف الذاكرة العاملة لا تخزّن المعلومات حديثة التعلُّم بشكلّ كامل، وبناء عليه، لا تكون المعلومات متوافرة عند محاولة استرجاعها لاحقًا. لقد لوحظت جميع عيوب التحكّم التنفيذيّ المذكورة آنفاً لدى الأشخاص المصابين بهذا النوع من الاضطّراب. فتبيّن أنّ هذا النوع من الاضطّراب   والاضطّرابات الوظيفيّة التنفيذيّة لا تأتي على صورة واحدة، بل إنّ الأعراض تكون مختلفة لدى كلّ شخص. واستنادًا إلى هذا الأساس، فإنّ القاعدة الأساسيّة لقياس هذه المشكلات تنطلق من نماذج الخلل الوظيفيّ.

   من المهمّ جدًّا عند قياس مشكلات الانتباه معرفة مستوى التوتّر، وحالة التغيّر العامّة عند الطفل. حيث تتعطّل عمليّة التعلّم لدى الطفل عندما لا يصل المثير بالأطفال إلى أولى درجات الانتباه.

* التدخّل: يأتي التدخّل في التحكّم التنفيذيّ على شكلين رئيسين هما: التكيّف البيئي، ومعالجة المثير النفسيّ. قد تبعث المثيرات على الراحة من خلال تصحيح العيوب النفسيّة العصبيّة في الكبح السلوكيّ. وهذا يعني بالنسبة لبعض الأفراد؛ أنّ العلاج يجعل من الممكن كبح تداخل المعلومات الذي يعيق انتباه الطفل، وبناء عليه، يعيق تركيز الانتباه على الأولويّات المناسبة.

   ومن وجهة نظر سلوكيّة، يستطيع المعلّمون وأولياء الأمور مساعدة الأشخاص الذين يعانون من خلل وظيفيّ تنفيذيّ على تصرّف بديل عن الضوابط التنفيذيّة. وهذا يعني؛ تزويدهم بمستوى مناسب من الإثارة في أثناء وضع التوجيهات، والأهداف، والأشكال الأخرى من التخطيط والتنظيم والتفكير ذات التوجّه المستقبليّ. ويتضمّن التصرّف البديل مساعدة الطفل على فهم الرّوابط ذات المعنى بين الأداء والنتيجة، بمعنى؛ توضيح وبيان نتائج عدم البدء في عملٍ ما، أو عدم التصدّي لأنواع مختلفة من التداخلات البيئيّة.     يمكن لأولياء الأمور والمعلّمين الذين يعملون معًا أن يتوقّعوا حدوث تحسّن قياسيّ في إدراك الطفل من خلال تهيئة المرحلة لاستعمال تقنيات تعزيز متكرّرة بصورة نشطة. وكما هي الحال دائمًا، فإنّ التعزيز يكون فاعلاً أكثر إذا طبِّق فورًا وعلى نحو مستمرّ.

  ولسوء الحظّ، أنّه من غير المعقول توقّع الانتقال بفوائد التدخّل إلى مواضيع أو مهامّ جديدة. ويتعيّن على كلّ من يشارك في مساعدة ذوي مشكلات التحكّم التنفيذيّ أن يدرك أنّ تحدّيات التعلّم ذات العلاقة، و/ أو المشكلات السلوكيّة لا تعود إلى وجهة نظر هزيلة. ولا يعدّ عدم الانتباه سلوكًا مناهضًا، أو خاملاً.

   يقتضي التصرّف المثاليّ وضع الطفل الذي يعاني من خلل تنفيذيّ في بيئة تعليميّة تمكّنه من تلقّي نوع من التعليم البديل الذي يتطلّبه العرض المصاحب. ومن الواضح أنّ هذه الوضعيّة تشكّل تحدّيًا في هذه الأيّام ذات الميزانيّات الممتدّة. وعلى أي حال، فإنّنا بصفتنا أولياء أمور، ومعلّمين، وخبراء صحّة عقليّة مدينون لأطفالنا بالجهد والرعاية من أجل علاج مُتأمّلٍ وسليم.

   لقد نما التكلّف العلميّ لدينا في سعينا لاستيعاب الحالة المرضيّة بصورة ملحوظة إلى درجة أنّنا لم نعد معه نقوى على عدم اعتبار أعراض هذه الحالة سلوكًا منغّصًا سيتخلّص الطفل منه. و تمتدّ تحدّيات التعلّم، على الأغلب، عند من يعانون من اضطّراب تشتّت الانتباه المفرط إلى سنوات الكليّة. الجيّد في هذا أنّ بإمكاننا التغيّر بوساطة العمل بأسلوب استراتيجيّ وتعاونيّ. دعونا نتحدّى أنفسنا ونتعهد بتقديم المفيد لهذه الحالة المرضيّة الصعبة.

المراجع:

Barkley, R.A. (1988). Attention-deficit hyperactivity disorder; A handbook for diagnosis and treatment. New York: Guilford.

 

Holmes, J.M. (1987). Natural histories in learning disabilities: Neuropsychological difference/environmental demand. In S. J. Ceci (Ed.) Handbook of cognitive, social and neuropsychological aspects of learning disabilities (Vol.2, pp. 303-319). Hillsdale, NJ: Erlbaum.

 

McCloskey, G. (2001) Executive functions overview: Operational definitions, clinical classifications and assessment methods. Unpublished.

 

Simeonsson, R.J., & Rosenthal, S.L. (Eds.) (2001). Psychological and developmental assessment: Children with disabilities and chronic conditions. New York: Guilford Publications Inc.

http://www.edarticle.com/special-education/add-and-adhd/adhd-and-executive-control-intervention-strategies-for-parents-and-teachers.html

5295
تعليقات
إضافة التعليقات