"الاستقصاء المرن: " مسرد المفاهيم المفتاحية

مساعدة الطلاب على تقويم تفكيرهم

 ملخص:

هذا دليل مختصر لمفهوم الاستقصاء المرن عن طريق مسح الأفكار ذات العلاقة.

والهدف من هذا المفهوم، استنادًا إلى السياق التربوي، هو تبصير المعلمين بما يمكن أن يعنيه تأثرهم بهذا المفهوم وتوجيه الطلاب إلى تذوق أعمق للاستقصاء المرن. كما يزودنا مسرد المصطلحات بمدى واسع من المفاهيم المرتبطة بهذه العائلة من الأفكار، مما يعكس اهتمامًا بالمفهوم المركزي للمرونة الذهنية، بحيث تمتد هذه المصطلحات من الافتراضات إلى الممارسة المفرطة.

سيتم الكشف عن شبكة معقدة من العلاقات التي تعكس مدى خصوبة هذا المفهوم، كما سيتم تحديد كثير من المفاهيم الخاطئة التي تعيق التقدير للانفتاح الذهني.

       

مقدمة:

        يتفق الكثيرون مع جون ديوي وبيتراند راسيل على أن الانفتاح الذهني هو أحد الأهداف الأساسية في التربية، وأنه يستحق المتابعة مع أنه كثير المراوغة. وهو بالنسبة لديوي اتجاه طفولي من التعجب والاهتمام بأفكار جديدة مقترن بالتصميم على بناء معتقدات الشخص على أرضية سليمة. وهذا مهم للغاية لأننا نعيش في عالم يتسم بالتغير الدائم. وبالنسبة لراسّل، فإن الانفتاح الذهني هو الفضيلة التي تمنع العادات والرغبات من جعلنا غير قادرين أو غير في تفهم أن المعتقدات السابقة ربما كانت بحاجة إلى مراجعة أو هجر. وتكمن قيمتها الرئيسية في تحدي التعصب الناتج من قناعاتنا بأن آراءنا أكيدة بشكل مطلق. أن مراجعة بعض الأفكار المفتاحية تقدم لنا إدراكاً أوضح لأبعاد مفهوم الانفتاح الذهني لكل الذين صمموا على جعل هذا الهدف هدفًا مركزياً لعملهم كمعلمين.

فيما يلي خارطة طريق لما يحيط بمفهوم الاستقصاء المرن.

 

مسرد المصطلحات:

الافتراضات:

        تبقى الافتراضات مثيرة للمشاكل عندما تبقى مخفية. إذا لم نكن على وعي تام بالمعتقدات التي نأخذها كمسلمّات، فلن نكون في موقع يمكننا من معرفة ما سيقال معها أو ضدها. ما نفترضه مسبقاً عن قدرات طلابنا، وعن ما يستحق التعلم في مادتنا العلمية، وعن طبيعة المعرفة، وعن العلاقة  بين المعلم/ والطالب، وعن استراتيجيات التعليم المناسبة، إلى غير ذلك، سيؤثر كله في قراراتنا كمعلمين، لكن هذه الأفكار تفلت من عملية التمحيص. فالمعلم المنفتح الذهن يحاول أن يكشف عن مثل هذه " الممتلكات المسبقة" المسيطرة، كما يسميها ديوي، ويخضعها للفحص الناقد. يجب عدم الخلط، بطبيعة الحال، بين الافتراضات المخفية من هذا النوع وبين افتراضاتنا الواعية التي تساعدنا على رؤية ما فيما لو  اعتبرنا هذه الافتراضات صحيحة.

 

التحيّز:

        في كثير من الأحيان نساوي خطأ بين التحيز وبين رأي الشخص أو تفضيله لشيء ما.

أما الرأي الذي ينتج عن مراجعة غير متحيزة للأدلة، فإنه يستحق النظر إليه على اعتبار أنه يخلو من التحيز. كما أن تفضيل مراجعة الأدلة بعقلية منصفة قبل التوصل إلى النتائج لا يعد تحيزًا، بل هو تصميم على تجنب التحيز.  وجهة النظر المتحيزة تشوه الاستقصاء نظرًا لدخول عوامل متعددة ( المحاباة، والجهل، والحذف، والتحريف، والولاء الذي في غير محله، والتهديد، وغيرها).

تضعف فرص التفحص العادل.

يسعى المعلمون منفتحو الذهن إلى تفادي التحيز في تدريسهم، أو  التعويض عن تحيزاتهم التي تشير خبرتهم إلى أن لديهم ميلاً للوقوع فيها، باستثناء تعمدهم تقديم منظور متحيز كي يستثيروا تأملات مرنة عند طلابهم.

 

التلقي الناقد:

        هذا هو مصطلح "راسّل" للاتجاه الذي ينتج فضيلة الانفتاح على الأفكار والخبرات أثناء الدفاع عن اللاعقلانية البحتة. لن يكون الانفتاح العقلي فضيلة فكرية إذا أشار إلى رغبة في قبول فكرة بصرف النظر عن حسناتها. يجب أن تعطى الأفكار، التقدير اللائق بها، إلاّ إذا كان لدينا سبب جيد للاعتقاد بأنها ليست ذات قيمة. لكن الشخص المنفتح ذهنياً جاهز لرفض إي فكرة لا تستطيع الصمود أمام التقييم الناقد. قد يكون هناك سبب جيد في السياق التعليمي، لتأجيل التفحص الناقد النظرة الناقدة مؤقتاً حتى تفهم الأفكار قيد  البحث وتقدر بشكل مناسب قبل إثارة الصعوبات والاعتراضات، والتأكد من أن الاحترام والثقة المتبادلين ستسمحان للناس بالتفكير في التحدّيات لمصلحة آرائهم.

 

التعصب ( الجمود)

        لا ينظر إلى التعصب باعتباره مكافئًا للرأي الثابت، بل على أنه رأي عنيد وجامد يعيق الاستقصاء. قد يكون لدى الشخص منفتح الذهن معتقد ثابت؛ ولكنه يكون مستعدًا تمامًا لإعادة النظر فيه إذا بدأت دلائل مناقضة له بالظهور. أما الشخص المتعصب فيفشل في هذا الأمر، لأنه يعتبر أي اعتقاد وكأنه مفروض من سلطة عليا ولا يمكن مناقشته. قد يسعى الناس للحصول على عكازه التعصب كما يسميها "ديوي"، لكن الشخص المنفتح الذهن  يتحدى مثل هذه الميول بالـتأكيد على أن الادعاءات والنظريات تبقى مفتوحة للمراجعات الناقدة، ولا ينظر إليها على أنها ثابتة أو نهائية فوق أي احتمال لوجود أي فكر آخر.

 

الخبرة:

        لا أحد لديه المقدرة على اتخاذ حكم ناقد ومستقل حول كل الأفكار، مما يعني أننا جميعًا يجب أن نعتمد، أحيانًا، على آراء الخبراء. لكن الخبراء على أية حال، غير معصومين، وثبت أن بعضهم خبراء بالاسم فقط. ويبقى الشخص منفتح الذهن واعياً على هذه الاحتمالات حتى يتجنب الوقوع في رأي متعصب أو أن يكون ساذجاً. تبقى نصيحة "راسل" ذات صلة بهذا الموضوع، وعلينا تطبيقها على الخبرة التي يفترضها المعلم لنفسه. عندما يتفق الخبراء، فإن الرأي المعاكس لا يمكن أن يكون مؤكدًا. وعندما لا يتفقون، فلن يكون هناك أي رأي مؤكد. وعندما يعتقد الخبراء أن الأدلة غير كافية، فإن علينا أن نعلق الحكم.

 

القابلية للخطأ (اللاعصمة)

        هي الفكرة التي تشير إلى أن معتقداتنا عرضة للخطأ وقابلة للدحض. إذا رفضنا إمكانية تحقيق اليقين المطلق، فإن القابلية للخطأ تسمح لنا بأن نرى أن معتقداتنا مدعومة جيداً ومكفولة في ضوء الأدلة المتوفرة حالياً والنظريات الحديثة، لكنها دائماً عرضة للمراجعة في ضوء مزيد من الأدلة والتأمل. معتقداتنا مؤقتة وغيرثابتة، والمعلم المنفتح الذهن يحاول نقل وجهة النظر هذه إلى طلابه لإبطال أي ميل إلى الاعتقاد بأن ما يسمى معرفة يبقى ثابتًا على مدى الدهر. لكن هذه القابلية للخطأ لا تتضمن الشك المباشر الذي يرى أنه ليس هناك أي احتمال لتحقيق المعرفة.

 

السذاجة:

هي الحالة التي نكون فيها مستعدين للاعتقاد بأننا نخدع بسهولة بالادعاءات الكاذبة والأفكار الزائفة. قد يكون شيء ما كاملاً بشكل لا يمكن معه التصديق بأنه حقيقة. ومع ذلك نعتبر أنه حقيقة. يطغى على الرغبة في الانفتاح الذهني فيض من الأفكار الخادعة والزائفة لا تتوفر ضدها دفاعات ناقدة كافية لدى الشخص.

فالتمني، والطمع، والإعلانات الاقناعية، والجهل، والسذاجة المحصنة، كلها عوامل تسهم في تشكيل موقف يُستغل فيه الشخص بكل بساطة. وكما لاحظ كارل ساجان، فإن الانفتاح الكبير على الأفكار يجب أن يتوازن مع روح شكاكة مساوية له في القوة. إن المعرفة الجيدة عندما تقترن بالقدرة على التفكير الناقد هي الدفاع الرئيسي ضد السذاجة أو سرعة التصديق.

 

التواضع:

وهي معرفة الشخص لجوانب قصوره وقابليته للخطأ، وتفادي الغطرسة التي يبديها المعلمون أحياناً. يُخضع المعلمون منفتحو الذهن أفكارهم لردود الفعل الناقدة من طلابهم، ويتفادون خطأ التفكير في أن أي معرفة متفوقة يمتلكونها، إذا ما قورنت بمعرفة الطلاب، تمنحهم عدم القابلية للخطأ والمعرفة الكامنة. إنهم يقدرون خطورة أن يكشف لهم أحد أخطاءهم. أنهم أخطأوا. ويؤكد ديوي، على أية حال، أن التواضع لا يعني أن يعتقد المعلم أن خبرته ليست أكثر من خبرة الطلاب ويهمل أي تبصر أو حكمة يمكن أن تحدث في الموقف التعليمي.

 

التلقين:

لا ينطبق التلقين على التعليم الذي يحاول أن يؤكد أن الاعتقادات المكتسبة لن يعاد فحصها، أو على طرائق التدريس التي تميل إلى تحصيل مثل هذه النتيجة. يميل التلقين إلى حبس الفرد في مجموعة من الاعتقادات التي يُرى أنها ثابتة ونهائية؛ وهو من حيث المبدأ لا يتفق مع التعليم المنفتح الذهن. يقترح ر.م هير اختباراً يساعد المعلمين منفتحي الذهن على معرفة إن كان تعليمهم يندفع نحو التلقين: كم تكون سعادتك عندما تعلم أن طلابك بدؤوا في محاكمة أفكارك؟

 

الحكم:

على العكس من التخمين، نستعمل الحكم لدعم إدعاء صحيح مبدئيًا بالاعتماد على معلومات أبعد من الدلائل المتوفرة وبخلاف القرارات الرسمية، فإن الحكم يستند على معلومات ومبادئ عامة لتقرير ما يجب عمله أو تقرير قيمة الأشياء. المعلمون منفتحو الذهن يأخذون في الحسبان أن أحكامهم مبنية على معلومات محدودة أو حتى على معلومات غير صحيحة؛ وأن علينا تعليق الحكم عندما تكون الأدلة غير كافية؛ وأن الحكم الذي نتوصل إليه ربما يحتاج إلى إعادة نظر في ضوء خبراتنا اللاحقة وتأملاتنا؛ وأن الآخرين الذين يعتمدون على الأدلة والمبادئ العامة ذاتها ربما يتوصلون إلى نتائج مختلفة علينا أن نأخذها في الاعتبار. تعتبر ملاحظة لا روكشيفوكولد، مفيدة فيما يتعلق بانفتاح أذهاننا: كل شخص يكتشف خطأ في ذاكرته، لكنه لا يكتشف أي خطأ في أحكامه.

 

المعرفة:

        يتحدث ستيفن جي، عن أفكار معينة مؤكدة لدرجة أنه يكون من الخطـأ الامتناع عن الموافقة المشروطة عليها. هذه طريقة مفيدة للمعلمين منفتحي الذهن للتفكير في المعرفة. فهي قاصرة عن تحديد المعرفة بالتأكيد القاطع؛ لكنها، مع ذلك، تتفادى الشك المعتاد المدمّر الذي يفضل الحديث عن "المعرفة"، بدلاً من المعرفة، ليس هناك من يعرف أي شيء معرفة حقيقية. يوصي ديوي المعلمين أن يشركوا طلابهم في صنع المعرفة في المدرسة حتى تنفتح أذهانهم على إدراك أن بعض الأفكار تستحق أن نفكر بها باعتبارها معرفة أكثر من مجرد وجهات نظر أو تخمينات.

 

الاستماع:

        يجب أن لا نفكر بالاستماع على أنه سلبي ولا يثير التساؤل، ولكن على أنه مرتبط جيدًا بنظرة المنفتح ذهنياً.  فالاستماع الجيد يتضمن محاولة حقيقية للاتصال بأفكار الآخرين كي نفهمها ونقدر ميزاتها، وهو ما يسميه "راسل" التعاطف الافتراضي. وهذا يحمل معه خطر أن يكتشف الشخص أن آراءه خاطئة بشكل من الأشكال، مما يتطلب المراجعة أو الرفض بطريقة منفتحة ذهنياً، وهنا يتطلب قدرًا من الشجاعة. يستمع المعلمون منفتحو الذهن لما يقال، وكيف يقال، ولما لا يقال، وهم قادرون على التقليل من إسهاماتهم حتى يعطوا فرصة مناسبة لظهور أصوات.

 

التصرّف:

        ليس المهم هو فقط ما نقوله ونعمله كمعلمين فيما يتعلق بإدعائنا أننا منفتحو الذهن، ولكن الجو الذي نوفره، والنبرة التي نهيؤها، وتصرفاتنا ولغة أجسامنا، والاتجاهات التي ننقلها للآخرين كلها على نفس القدرة من الأهمية.

كل هذه الإجراءات العملية توضح للطلاب أكثر من أي تصريح لفظي، أن المعلمين يشجعونهم على المشاركة في صنع الأفكار.

 يتحدث ديوي عن " التعلم المصاحب" الذي يستمر في الصف ولاسيما تشكيل الاتجاهات عند الطالب، إذ تشكل تصرفات المعلمين أثناء قيامهم بعملهم عاملاً رئيساً في ذلك.

 

الحياد:

        لا ينظر إلى الحياد على أنه مبدأ تدريسي، بل على أنه استراتيجية تعليمية مفيدة، تعطي الطلبة فرصة لتطوير آرائهم قبل أن يعرفوا آراء المعلم_ إذا كان المعلم قد قرر الكشف عن آرائه أصلاً.

الحياد، بمعنى أن المعلم لا يحاول الكشف عن آرائه البتة، ليس شرطاً ضرورياً ليكون المرء منفتح الذهن. ربما تكشف تصرفات المعلم أن آراءه المعلنة مفتوحة للنقاش، ولم يقدمها بصورة متعصبة.

يمكن أن ينتج التشوش  حول حيادية المعلم من استخلاص نتيجة حول الانفتاح الذهني من الحقيقة التي تقول أن "الاحتفاظ بذهن منفتح"، في مسألة معينة يعني في العادة عدم اتخاذ قرار في تلك المسألة حتى الآن، وبالتالي البقاء على الحياد.

 

الانفتاح الذهني: هو المفهوم الرئيس في هذه العائلة عن الأفكار.

        الانفتاح الذهني هو فضيلة عقلية تشتمل على رغبة في أخذ الأدلة والحجج المناسبة بالحسبان عند تشكيل معتقداتنا وقيمنا أو مراجعتها، خاصة عندما يكون هناك سبب يجعلنا نقاوم مثل هذه الأدلة والحجج، بهدف الوصول إلى استنتاجات صحيحة ويمكن الدفاع عنها. وهذا يعني أن نتلقى الاحتمالات البديلة بشكل ناقد، واستعدادنا للتفكير ثانية في مٍسألة بالرغم من أننا قد توصلنا إلى رأي فيها، وأن نحاول جاهدين تجنب الظروف والعوامل التي تقيد تفكيرنا وتشوهه. إن اتجاه الانفتاح الذهني متضمن في فكرة سقراط في متابعة الحجة إلى حيث وتقود، وهو فضيلة أساسية للتساؤل.

 

الدعاية:

        وهي تقديم متحيز، وأحادي الجانب لمسألة، والاعتماد على إغراءات عاطفية ومدى واسع من الأدوات البلاغية لتجاوزالتقويم الناقد وتأمين الاقتناع. ولقد وجد المروّج الحقيقة، ولذلك فهو غير مهتم بتشجيع الآخرين على الانشغال بالتساؤل الحقيقي. ويفرق "راسل" بين المعلم والمروّج، من حيث أن الأول يهتم بالطلاب من أجلهم هم، دون أن يراهم مشاريع جنود يقاتلون من أجل سبب. يكمن التحدي أمام المعلم المنفتح الذهن في أن يزود الطلاب بالمهارات التي تمكنهم من معرفة الدعاية والتعامل معها، بحيث يربأون عن الدعاية حتى لو كان هناك سببٌ وجيه يبرر القيام بها.

 

الأسئلة:

        بعض الأسئلة يثبط التساؤل الناقد لأنها تكتفي بالبحث عن إجابات يعتقد أنها صحيحة، وأسئلة أخرى تخلق إلزاما مزدوجًا بدمج افتراض مسبق مشكوك بصحته، وأخرى تقيد مدى تساؤلا الشخص بشكل اعتباطي. كل ذلك يضر بالذهن المنفتح. إن التعامل مع الأسئلة بذهن منفتح يتضمن النظر في أوسع مدى من الاجابات أو الحلول المحتملة، وبيان حب الاستطلاع الذي يقدم الرغبة في الاكتشاف على الاهتمامات الشخصية والراحة.

        وبما أن الأسئلة الجيدة تساعد في تفتيح عقولنا، فإن "راسل" يقول إن الفلسفة يجب أن تدرس من أجل الأسئلة نفسها؛ ويعلق "وايت هيد"، إن "السؤال السخيف" غالباً ما يكون الإشارة الأولى من تطور جديد كليًا، وأن هذا وثيق الصلة في سياق التعليم المنفتح ذهنياً.

 

النسبية:

        لأن النسبة تربط ذهنياً باتجاه محترم ومتسامح تجاه الفروق الثقافية المتعلقة بما هو صحيح أو خاطئ أخلاقيًا، وترتبط أيضًا وكذلك بتقدير دقيق للتعددية فيما يتعلق بطرائقها،ونظرياتها، وأبعادها، وتفسيراتها في التساؤل، فإنها للوهلة الأولى لا تبدو منسجمة مع الانفتاح الذهني فحسب، وإنما هي مفهوم مركزي تمامًا في هذا الانفتاح. على أية حال، إذا كانت النسبية تعني أن كل الآراء الأخلاقية تستحق التقدير بشكل متساوٍ. أو أن كل الإدعاءات المعرفية متساوية في صحتها ( لأن كل ما هو صحيح، صحيح عند شخص أو مجموعة معينة)، فإن فكرة تساؤل منفتحي الذهن يجب أن تختفي. وإذا كان لا يوجد أي رأي أفضل من رأي آخر، فلماذا نفكر في الآراء البديلة أصلاً؟

 

المفاجأة:

        الاستعداد للمفاجأة هي طريقة روبرت أولتر (Robert Alter)، في اجتذاب جانب حيوي من جوانب الانفتاح الذهني. وهذا يعني عدم الانغلاق على طريقة بعينها من التفكير بحيث يخفق الفرد في تقدير الاحتمالات المدهشة. أو حتى ملاحظة بعضها  كما يعني ذلك الاستعداد للترحيب بتطوير أو تفسير غير متوقع وربما مذهل؛ ويعني أن نكون مستعدين لإدراك أن الفكرة المناقضة للحدس يمكن أن تكون صحيحة. المعلمون منفتحو الذهن ليسوا فقط مستعدين، لأن يفاجئهم طلابهم فحسب، وإنما يكونون مسرورين بذلك أيضًا ، ويدركون مع ديوي أنه حتى أكثر المعلمين خبرة لا يستطيعون توقع الطرق التي سوف تترك انطباعًا على طلابهم.

 

التسامح:

        لا يعدّ دائمًا موقفًا حسنًا يستحق التقدير، لأنه يبدو يفترض جزئيًا تحمل شيء مع التذمر منه أكثر من إبداء الاحترام، ولأن هناك أشياء كثيرة يجب أن لا نتحملها. وعلى أية حال، فالتسامح المعقول مهم لأن من المرغوب أحيانًا أن نسمح بحدوث ما لا نفضل حدوثه. إحدى مشكلات سياسة عدم التسامح إطلاقًا إن الالتزام المتشدد يمنع ممارسة اتخاذ القرار  بذهن منفتح في بعض الحالات ليس من الضروري. أن يتضمن التسامح انفتاحًا ذهنيًا لأن الشخص ربما لن يعطي اعتبارًا جديًا للشيء الذي يتسامح به. لكن التسامح في المجتمع يعرض الأفراد لمدى واسع من المعتقدات والممارسات التي يمكن أن تشكل إثارة لتساؤل منفتحي الذهن.

 

عدم اليقين:

        إن المسائل الخلافية العميقة، وعدم الاتفاق بين الخبراء، والمعلومات غير الكافية والمتضاربة، وفقدان الثقة في مؤسسات كانت تثير الاعجاب يومًا ما، والمشاكل والأزمات التي تظهر بين حين وآخر تؤكد جميعها وجهة نظر ديوي في أن العالم الذي نعيش فيه غير مستقر وغير مكتمل.

غياب اليقين يتطلب تحملاً للغموض – وهي القدرة والرغبة في التفكير الناقد ووزن البدائل في المواقف التي تكون فيها القرارات مثيرة للمشاكل_ وفي هذه الظروف يكون للانفتاح الذهني في التعليم قيمة في توكيد الطبيعة المشروطة والمؤقتة للاستنتاجات، ويلزمنا في الوقت نفسه بالاستعمال الأمثل لأي أدلة أو آراء يمكننا جمعها.

الصدق:

        تستوجب فضيلة الصدق التزامًا ببناء آرائنا على تقويم صادق للأدلة، وتعديل درجة قناعتنا بقيمة تلك الأدلة. وهي تتضمن كما يقول " بيرس" بحثًا متقنًا في الحقيقة من أجل الحقيقة،  بدون وجود رغبة قوية بالتعلم. وهي تترعرع في رغبة منفتحي الذهن في الأخذ بالاعتبار كل ما يتعلق باستخلاص استنتاج حقيقي، ولكن الدوافع الخفية، والتفكير القائم على التمني، والأحكام المتسرعة، ومقاومة الأفكار، والقناعات المسبقة تهزم هذه الفضيلة.

 

التعجب:

        يشير التعجب إلى حب استطلاع صعب الإشباع، وأسئلة لا تنتهي، وتأملات خيالية، وانفتاح على الخبرات الجديدة، والشعور بأننا لن نرهق فهمنا وتقديرنا للأشياء أبدًا.

يقول "وايت هيد" أن اللعنة يجب أن تنزل بكل أبله يدمر التعجب، لكن الحيرة والانبهار بالأفكار تتحطم في كثير من الأحيان بالتركيز المبالغ به على الدقة والتفاصيل. يقول أرسطو أن الشخص الذي يشعر بالحيرة والتعجب يعتقد أنه جاهل، والوعي الشديد بنقص المعرفة عند الشخص تعمل حافزًا له على احتمالات الاستكشاف والانفتاح الذهني.

 

الخوف من الآخر:

        وهو شعور عميق بالكراهية والخوف من الثقافات والأجناس الأخرى، مما ينتج عنه التحامل، والجهل، والازدراء، والشعور بالتفوق ومنع الناس من ملاحظة وتقدير طرائق الحياة المختلفة التي قد تكون ذات قيمة كبرى، أو من الاعتراف بما يمكن أن يتعلموه من الثقافات الأخرى. وبالمقابل، فإن الشخص المنفتح ذهنياً يعترف بقيم هائلة في التعددية والاختلاف، ويرى أن هذا التعرض للثقافات الأخرى يقود إلى الإثراء لا إلى التهديد. ويكون التحدي الذي يواجه المعلم المنفتح ذهنياً هو كسر الحواجز التي يخلقها التعصب الأعمى والإقليمية الضيقة.

 

أنت عنيد وهو عنيد وأحمق:

        غني عن القول أن المتكلم هنا لديه فقط أفكار ثابتة. هذه طريقة راسل المميزة في توضيح مدى صعوبة إدراك الميول الشخصية نحو العقل المنغلق. نحن نرى أنفسنا أننا منطقيون تمامًا، وأن آراءنا مفتوحة للنقاش، مع أنه قد يكون واضحًا تماماً للآخرين أننا نقوم بمحاكمة جادة للرأي المنافس. ويسمى " راسل " هذا الصيغة الجيدة"  بدلاً من الانفتاح الذهني الحقيقي.

الحماسة:

        الحماسة، والرغبة الشديدة، والالتزام صفات مؤثرة تظهر بشكل واضح في تصرفات المعلم، ويجد الطلاب أنفسهم معه في مستوى الإثارة نفسه. ويذكرنا هيوم، على أية حال، أنه لا توجد صفة تستحق اللوم أو تستحق المدح بشكل مطلق. ويمكن أن تتحول الحماسة الجديرة بالثناء سريعًا لتصبح حماسة غيرمرعوب فيها. هناك التزام متعصب شديد الأهمية بحيث أنه يفوق الالتزام الأساسي بدعم الاستقلالية والإدارة الذاتية عند الطلاب. تعادل الحماسة في النص التعليمي الدعاية والتلقين. ويقدم كريستوفر هيتشنز، نصيحة صحيحة عندما تقترح أننا " نتعلم كي نميز أعراض المتحمس، ونتجنب الشخص الذي يعرف أنه على صواب".

 

تعليق ختامي:

        ليس من الضروري وجود خاتمة عامة، فالاختيار بحد ذاته هو الخاتمة، حيث يعكس أثناء ذلك شبكة من الأفكار تتقاطع وتتضاعف، وفي بعض الأحيان تأخذ منحنى ملتوياً أو منعطفاً غير متوقع. إن تقدير أي جزء من هذا الحقل حق قدره يتضمن استكشاف روابطه بالحقول الأخرى، ورؤية كل منها عدة زوايا مفضلة، بحيث يتوصل الشخص تدريجيًا إلى المعنى الكلي. يتعرض اتجاه الانفتاح الذهني إلى خطر الضياع في التعليم إذا فكرنا في المعلومات والمهارات كأهدافنا الأساسية، أو إذا سمحنا كمعلمين لخبرتنا وسلطتنا أن تسد الطريق أمام أفكار طلابنا. وربما يمكن استعمال خارطة لتكشف عن غنى فكرة تساؤل منفتحي الذهن وتذكرنا بقيمتها الأساسية.

1958
تعليقات
إضافة التعليقات