الأفكار الخاطئة كمعوقات لفهم العلوم

قد يندهش المعلمون إذا علموا أن الطلاب، رغم جهودهم الحقيقية، لا يستطيعون فهم بعض الأفكار الأساسية التي يعطونها في الدرس. إن أفضل الطلاب يقدمون الإجابات الصحيحة، لكنهم يفعلون ذلك بسبب استعمال كلمات يحفظونها عن ظهر قلب. وعندما تطرح عليهم أسئلة دقيقة، فإنهم يكشفون فشلهم في استيعاب المفاهيم المتضمنة بشكل صحيح. كما أن الطلاب يستعملون الخوارزميات لحل المسائل دون أن يستوعبوا المفاهيم العلمية المتضمنة فيها بشكل تام.  وقد كتب مازور (1997) أن طلاب مقرر الفيزياء الذي يُدرِّسه قد حفظوا غيبًا معادلات ومهارات حل المشكلات، ولكن أداءهم كان ضعيفًا في اختبارات الاستيعاب المفاهيمي. وقد درس نخلة وميتشيل (1993) 60 طالبا في مقرر مدخلي لطلاب تخصص الكيمياء.  وفي أحد الاختبارات الذي جمع بين مسألة خوارزمية وسؤال مفاهيمي حول الموضوع نفسه، نجح 49٪ فقط من الطلاب الذين صنفوا على أنهم ذوو قدرة خوارزمية عالية في الإجابة على السؤال المفاهيمي الموازي لهذه المسألة.

 

فإلى جانب إعطاء الطلاب معلومات وأمثلة مساندة، يجب علينا أن نبين لهم عمليات الاستدلال التي تقود إلى الخوارزميات والتعميمات المفاهيمية. كما يعد شمول الاختبار على أسئلة مفاهيمية طريقة أخرى من طرق التركيز على هذا الجانب من جوانب حل المشكلات.  وفي كثير من الحالات، يكون الطلاب قد طوروا أفكارًا صحيحة جزئيا يمكن استعمالها أساسًا لمزيد من التعلم. ولكن كثيرًا من الطلاب لم يطوروا استيعابًا مناسبًا للمفاهيم الأساسية منذ بداية دراستهم، مما يشكل نقطة ضعف تعيق تعلمهم اللاحق.

 

أنواع الأفكار الخاطئة

من الأمثلة الشائعة على الأفكار الخاطئة في المرحلة الابتدائية فهم الطلاب للعلاقة بين كوكبي الأرض والشمس. فالراشدون يخبرون الأطفال في مراحل نموهم كافة أن "الشمس تشرق وتغرب"؛ مصورين الشمس وكأنما تدور حول الأرض.  وفي المدرسة، يخبر المعلمون طلابهم (بعد سنوات من تشكيل هؤلاء الطلاب نموذجهم العقلي الخاص لكيفية عمل الأشياء) أن الأرض تدور.  عندئذ يواجه الطلاب مهمة صعبة تتمثل في حذف صورة عقلية ذات معنى لديهم كونوها من مشاهداتهم الخاصة، واستبدالها بنموذج لا يتمتع بنفس القبول البديهي. وهذه ليست مهمة بسيطة، حيث يتوجب على الطلاب أن يقوموا بإبطال إطار عقلي كامل من المعرفة التي استعملوها حتى الآن لفهم العالم المحيط بهم.

 

ويعد مثال دوران الأرض حول نفسها بدلا من دوران الشمس حول الأرض واحدا من الأمثلة التي يشير إليها المعلمون على أنها أفكار خاطئة. ويمكن تصنيف الأفكار الخاطئة كما يلي:

 

  • ·        الأفكار المسبقة

الأفكار المسبقة هي أفكار شائعة متجذرة في خبراتنا اليومية.  فعلى سبيل المثال، يعتقد كثير من الناس أن الماء الذي يجري في باطن الأرض  يجري حتمًا في جداول لأن الماء الذي يرونه فوق سطح الأرض يجري في جداول.  وتطغى الأفكار المسبقة على آراء الطلاب بالحرارة والطاقة والجاذبية وغيرها.

 

 

 

  • ·        المعتقدات غير العلمية

تشتمل المعتقدات غير العلمية على آراء تعلمها الطلاب من مصادر غير التربية العلمية كالتعاليم الدينية أو الخرافات. فقد تعلم بعض الطلاب مثلاً، من التعاليم الدينية أمورًا عن التاريخ المختصر للأرض وأشكال الحياة عليها. وقد أدى التفاوت بين هذا المعتقد الشائع وبين الدلائل العلمية على وجود فترة  طويلة ممتدة فيما قبل التاريخ إلى كثير من الجدل حول تدريس العلوم.

 

  • ·        سوء إدراك المفاهيم

يحدث سوء إدراك المفاهيم عندما يتعلم الطلاب معلومات علمية بطريقة لا تدفعهم إلى مواجهة التناقضات والصراعات الناتجة عن أفكارهم المسبقة ومعتقداتهم غير العلمية. ولكي يخرجوا من حيرتهم، يبني الطلاب نماذج خاصة تكون ضعيفة في معظم الأحيان، بحيث لا يشعر الطلاب أنفسهم بالثقة بتلك المفاهيم.

 

  • ·        الأفكار الخاطئة الدارجة

تنتج الأفكار الخاطئة الدارجة من استعمال كلمات تعني شيئا معينا في الحياة اليومية وشيئًا آخر في السياق العلمي ("الشغل"، مثلا). فقد أشار أستاذ في علوم الأرض إلى أن الطلاب يجدون صعوبة في تقبل الفكرة القائلة: أن الكتل الجليدية تتراجع، لأنهم يتصورون أن هذه الكتل تتوقف وتستدير، ثم تتحرك في الاتجاه المعاكس.  وقد يساعد تغيير كلمة "تتراجع" إلى كلمة "تذوب" في تعزيز الفهم الصحيح للظاهرة، حيث ان الجزء الأمامي من الكتلة الجليدية، يذوب أسرع من تقدم الكتلة الجليدية إلى الأمام.

 

  • ·        الأفكار الخاطئة عن الحقائق

الأفكار الخاطئة عن الحقائق هي أشياء مغلوطة يتعلمها الأطفال في كثير من الأحيان في سن مبكرة ويحتفظون بها على علاتها إلى ما بعد سن البلوغ. فإذا فكرت مثلاً في " أن البرق لا يضرب المكان نفسه مرتين أبدًا " هي فكرة عارية عن الصحة تماما، مع أنها قد تكون دفينة في نظام معتقداتك.

 

كيف نتخلص من الأفكار الخاطئة

على الرغم من أنه يمكن تصحيح الأفكار الخاطئة الدارجة والواقعية بسهولة، حتى من الطلاب أنفسهم، إلا أن من غير المجدي أن يصرّ المعلم على أن ينبذ الطالب الأفكار المسبقة والمعتقدات غير العلمية الراسخة لديه.  وتشير البحوث الحديثة حول سوء إدراك مفاهيم الظواهر الطبيعية عند الطلاب إلى أنه من غير الممكن تعلم مفاهيم جديدة إذا وُجدت نماذج بديلة في عقل المتعلم لتفسير هذه الظواهر.   وعلى الرغم من أن العلماء غالبا ما ينظرون بازدراء إلى هذه النماذج الخاطئة إلا أنها تمثل، في كثير من الأحيان، النماذج المفضلة لدى المتعلم لأنها تبدو أكثر منطقية وربما أكثر فائدة لخدمة أهداف هذا المتعلم (ماير، 1987).  ومن الممكن أن تبقى هذه المعتقدات مجرد شكوك تتردد في عقل الطالب بحيث تعيق عنده أي تعلم لاحق (ماكديرموت، 1991).

 

وتشير البحوث الحديثة حول سوء إدراك مفاهيم الظواهر الطبيعية عند الطلاب إلى أنه من غير الممكن تعلم مفاهيم جديدة إذا وُجدت نماذج بديلة في عقل المتعلم لتفسير هذه الظواهر. فقبل أن يتقبل الطلاب المفاهيم التي يعتبرونها دوائر علمية صحيحة، فإن عليهم أن يواجهوا معتقداتهم إضافة إلى تناقضاتهم ومحدداتهم ذات الصلة، ثم يحاولوا بعد ذلك أن يعيدوا بناء المعرفة الضرورية لفهم النموذج العلمي قيد البحث.  وتتطلب هذه العملية أن يقوم المعلم بما يلي:

  • تحديد الأفكار الخاطئة لدى الطلاب.
  • توفير جلسات نقاش يواجه فيها الطلاب أفكارهم الخاطئة.
  • مساعدة الطلاب على إعادة بناء معرفتهم وتمثلها وفق نماذج علمية محددة

 

تحديد الأفكار الخاطئة

يستطيع المعلم بالمثابرة والخبرة، أن يتعلم كيف يسبر الإطار المفاهيمي للطالب ( بمجرد الاستماع إليه في كثير من الأحيان) دون حاجة إلى استخدام سلطته أو إلى إحراج الطالب.  وقبل أن يكون من الممكن تصحيح الأفكار الخاطئة، يجب التعرف عليها وتحديدها أولا.  وقد جهز كثير من المعلمين والباحثين قوائم بأكثر الأفكار الخاطئة شيوعا.  كما طورت مجموعة من الجمعيات المهنية المتخصصة اختبارات تمكنك من التعرف على الأفكار الخاطئة عند طلابك. كما أن حلقات النقاش الصغيرة والساعات المكتبية تشكل جلسات حوار فعالة للتعرف على الأفكار الخاطئة عند الطلاب.  إذن يستطيع المعلم، بالجد والخبرة، أن يتعلم كيف يسبر الإطار المفاهيمي للطالب (بمجرد الاستماع إليه في كثير من الأحيان) دون حاجة إلى استخدام سُلطته أو إلى إحراج الطالب. وقد كشف "مازور" عن طريقة لمساعدة الطلاب في تفحص الأطر المفاهيمية لديهم حتى في المحاضرات التي تضم أعدادا كبيرة من الطلاب. كما استخدم هيك (1992) تمارين مخبرية تمهيدية تهدف إلى مساعدة الطلاب في اختبار بالأسس المفاهيمية التي يستعملونها لفهم "الحركة". وتعتبر الوظائف المقالية التي تطلب أن يفسر الطلاب أفكارهم مفيدة جدًا في كشف الأفكار الخاطئة لديهم. وليس من الضروري أن تستعمل هذه المقالات أو النقاشات لمنح الدرجات، بل يمكن استعمالها كجزء من عملية التعلم لاكتشاف ما يفكر فيه طلابك وكيف يقومون بذلك.

 

ويمكن أن تحدث الأفكار الخاطئة في فهم الطلاب للطرق العلمية إضافة إلى تنظيمهم للمعرفة العلمية. فكثيرا ما يعبّر الطلاب، مثلاً، في حصة العلوم عن خيبة أملهم لعدم نجاح التجربة، وكأنهم لا يدركون أن التجارب ليست إلا وسائل لاختبار الأفكار والفرضيات، وليس هدفها الوصول إلى نتيجة متوقعة. أما التجربة عند العالم فيجب أن تؤدي إلى نتيجة تحتاج إلى تفسير. ومن هذا المنطلق، فإن كل التجارب "تنجح" ولكنها قد لا تنجح كما كان متوقعًا.

 

مساعدة الطلاب في مواجهة أفكارهم الخاطئة

لعل من المفيد أن تراجع الأفكار الخاطئة المحتملة قبل تدريس صف أو مختبر تقدم فيه مادة جديدة. استعمل الأسئلة والنقاش للبحث عن مزيد من الأفكار الخاطئة، وكثيرا ما يفاجئك الطلاب بتنوع أفكارهم المسبقة، فاحرص على الاستماع بدقة لإجاباتهم وتفسيراتهم. ويمكنك أن تساعد الطلاب بأن تطلب أدلة يدعمون بها تفسيراتهم أو بالعودة إلى المفاهيم الصعبة أو المفاهيم الخاطئة بعد عدة أيام أو أسابيع.  وغالبا ما تكون الأفكار الخاطئة راسخة تمامًا وغير مبررة ويدافع الطلاب عنها بقوة أحيانًا.  وحتى يكون معلم العلوم ناجحًا، فإن عليه ألا يقلل من أهمية واستمرار هذه المعيقات للفهم التام، فمواجهتها صعبة لكل من الطالب والمعلم.

ويمكن الكشف عن الأفكار الخاطئة لدى الطلاب بتكليفهم برسم أو وصف شيء أو ظاهرة أو وصفها. فقد يطلب المعلم من طلابه، مثلاً، أن يرسموا الذرة قبل أن يرسمها هو على السبورة. وحتى الطلاب الذين لديهم خلفية قوية من المدرسة الثانوية يمكن أن يبنوا نواة صغيرة تحيط بها مجموعة من الاليكترونات تدور في مسارات تشبه النظام الشمسي. وعندما يطلب المعلم من الطلاب أن يرسموا نماذجهم الخاصة أولا ثم ليتبادلوا الإجابات بعد ذلك مع زملائهم في الصف، فإنه يستطيع أن يتعرف على النماذج المسبقة ويستعملها لبيان الحاجة إلى نماذج جديدة.

 

مساعدة الطلاب في التخلص من أفكارهم الخاطئة

 تعتمد الاستراتيجيات التي تستعمل لمساعدة الطلاب على التخلص من أفكارهم الخاطئة على البحوث التي تم إجراؤها حول كيفية حدوث التعلم (آرونز، 1990؛ مينستريل، 1989). أما مفتاح النجاح في ذلك، فهو التأكد من قيام الطلاب ببناء، وإعادة بناء، أطر صحيحة لمعرفتهم الجديدة.

 

تعد مساعدة الطلاب على إعادة بناء الأطر المفاهيمية مهمة صعبة، كما أنها بالضرورة تنتزع الوقت من الأنشطة الأخرى في مقرر العلوم. فإذا قررت أن تبذل جهدا لمساعدة الطلاب على التخلص من أفكارهم الخاطئة، فربما ترغب أن تجرب الطرق التالية:

  • توقع أكثر الأفكار الخاطئة شيوعا حول المادة ولا تهمل غيرها من الأفكار الخاطئة.
  • شجع الطلاب على اختبار الأطر المفاهيمية الخاصة بهم من خلال مناقشتها مع الطلاب الآخرين ومن خلال التفكير بالأدلة والاختبارات الممكنة
  • فكر بكيفية التعامل مع الأفكار الخاطئة الأكثر شيوعا من خلال العروض التمثيلية والعمل المخبري.
  • عد إلى الأفكار الخاطئة الأكثر شيوعا كلما تسنى لك ذلك.

قوّم صحة مفاهيم الطلاب وأعد تقويمها.

8756
تعليقات
إضافة التعليقات